حين أحبني ملك الجن

الفصل الخامس – سارة

اندفعت سارة نحو الباب بكل ما أوتيت من قوة، دون أن تلتفت خلفها أو تتوقف لحظة لتتساءل لماذا سمح لها ذلك المخلوق بالهرب حتى. كان الباب أمامها، والنجاة تنتظرها في الخارج، ولم يكن في عقلها المذعور متسع للتفكير في أي شيء آخر.

دفعت الباب وخرجت إلى الممر، والكتاب محشور تحت ذراعها، بينما كانت قدماها الحافيتان تضربان الأرض الباردة في سباق محموم مع الوقت. لم تعرف لماذا تصرّ على الاحتفاظ به، سوى أنه الشيء الوحيد الذي يربطها باستدعائه، وربما احتوى على طريقة لإعادته من حيث أتى.

يا إلهي... ماذا فعلت بنفسي؟!

قبل ساعة واحدة فقط، كانت تستعد لتصوير حلقة تاريخية عن مخطوطة غامضة، وها هي الآن تهرب من شيطان استدعته دون قصد، ويصرّ على اقتيادها إلى عالمه السفلي!

اللعنة!

لم تكن هذه الرحلة التي خططت لها.

إن نجوت من هذه الليلة، فسأصنع منها فيديو لن ينساه أحد.

لكن عليها أن تنجو أولًا.

"ركّزي يا سارة..."

دفعت باب الطوارئ واندفعت إلى الدرج، ترفع طرف قميص نومها بيد وتتشبث بالكتاب بالأخرى. كانت في الطابق العاشر، وعشرة طوابق تفصلها عن الشارع والناس، وعن أي مكان بعيد عن ذلك الكائن المرعب. أخذت تهبط الدرجات بسرعة، تكاد تتعثر بقدميها، بينما كان قلبها يخفق بعنف حتى خُيّل إليها أنها تسمع نبضه داخل أذنيها.

أستطيع الهرب... أستطيع...

وحين بلغت الطابق الثامن، لمحت باب المصعد عبر المدخل الزجاجي الصغير المؤدي إلى الممر.

توقفت.

المصعد!

كيف لم تفكر فيه من البداية؟

اندفعت نحوه وضغطت زر الاستدعاء، ثم رفعت رأسها إلى المؤشر المضيء، تتضرع في سرّها أن يكون المصعد قريبًا، وألا يضيع منها ما تبقى لها من وقت.

لم تتحرك الأرقام.

ضغطت مرة أخرى.

ثم ثالثة.

"هيا... هيا!"

بقي المؤشر ثابتًا.

"لا... لا، ليس الآن!"

ضربت الزر براحة يدها، لكن المصعد لم يستجب.

ثم سمعت الصوت.

طَق... طَق... طَق...

وقع حوافر فوق درجات السلم، تتردد أصداؤها في الممر الساكن. لم تكن خطوات مسرعة، بل بطيئة ومتأنية، وكأن صاحبها يتعمّد أن تسمع اقترابه. تراجعت عن المصعد، وعيناها معلقتان بالدرج، تدرك أنه قادم، وأنه ليس مستعجلًا على الإطلاق.

لم تنتظر أكثر، بل استدارت عائدة إلى الدرج، تجبر نفسها على الحركة لأن التفكير لن ينقذها، وهي تلعن الكتاب، تلعن اللحظة التي فتحته فيها، تلعن نفسها لأنها صدقت أن ما فيه مجرد خرافة.

بدأت ساقاها تثقلان مع اقترابها من الطابق الخامس، وألم حاد التوى في بطنها كأنه ينهشها من الداخل، بينما كان صدرها يحترق مع كل نفس، والكتاب في يدها صار عبئًا يكاد يسقطها، لكنها لم تتوقف، لم تستطع، لأن التوقف يعني النهاية.

كانت تقضي أيامها تمشي لساعات طويلة لتصوير مقاطع السفر، وكانت تظن نفسها قوية... لكن هذا لم يكن مشيًا، هذا كان هروبًا من شيء لا ينبغي أن يوجد أصلًا.

"أيتها الإنسية الصغيرة..." جاء صوته، منخفضًا، زاحفًا عبر المسافة كما لو أنه يهمس داخل رأسها مباشرة، فتوتر جسدها كله، وشعرت بوخزات باردة تسري على جلدها.

"أستطيع سماعك."

حاولت تجاهله، حاولت التركيز على خطواتها، لكنها لم تستطع إيقاف صوته ولا إيقاف الألم الذي بدأ يلتهم جسدها.

"اركضي أسرع... سأمسك بك."

شدت على أسنانها، والغضب اشتعل في داخلها رغم الخوف، رافضة أن تمنحه متعة استسلامها، وهمست لنفسها بإصرار: "أنتِ قريبة يا سارة... طابق واحد فقط..."

دفعت نفسها إلى أقصاها، حتى وصلت أخيرًا إلى الطابق الأرضي، وشعرت للحظة بأن النجاة أصبحت في متناول يدها، لكن تلك اللحظة لم تدم.

"ليس بهذه السرعة، أيتها الإنسية."

تسمّرت في مكانها.

ظهر أمامها رجل فجأة، على بُعد خطوات قليلة من الردهة المؤدية إلى الباب الرئيسي. كان إنسيّ المظهر، لكنه بدا وكأنه خرج من العدم.

إنه هو... لكن كيف؟

اختنق السؤال في حلقها وهي تحدّق فيه بعدم تصديق، وقد طغى حضوره المهيب على المكان.

كان يبدو بشريًا بالكامل؛ شعر أسود داكن، وفك حاد منحوت بإتقان، وملامح وسيمة تكاد تكون غير واقعية في كمالها. لكن عينيه فضحتا حقيقته؛ سوداوان تتخللهما ومضات قرمزية، تحملان تلك التسلية الباردة التي لم تستطع هيئته البشرية إخفاءها.

نعم... إنه هو.

كان شيطانًا، حتى في هيئة إنسان.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، كشفت عن أنياب حادة. شهقت حين مرّر لسانه فوق أحدها، دون أن يحيد بعينيه عنها، وكأن نظرته تخترق أعماق روحها.

"هل أعجبتك هيئتي الجديدة؟"

تبًا...

تراجعت خطوة، ثم استدارت فجأة وركضت صعودًا هذه المرة، بلا خطة، بلا تفكير، فقط غريزة الهرب، بينما دوّت ضحكته خلفها، تتردد في أرجاء المبنى وتطاردها كصدى لا ينتهي. ركضت بين الطوابق بلا اتجاه واضح، تتخبط كمن فقد الإحساس بالمكان والزمان، حتى خُيّل إليها أنها تدور داخل متاهة لا نهاية لها، وكلما أقنعت نفسها بأنها ابتعدت أخيرًا، كان يظهر من جديد... مستندًا إلى جدار ببرود، أو واقفًا في طريقها وكأنه كان ينتظرها منذ البداية... كما لو أنه دائمًا يسبقها بخطوة، يراقبها بصمت، ويستمتع بهذا الهروب العبثي الذي يعرف نهايته.

وفي النهاية، خانتها قواها، فترنّحت نحو زاوية مظلمة، تلهث بعنف، صدرها يعلو ويهبط بجنون. كانت ساقاها ترتجفان من شدة الإرهاق، وعقلها يبحث بيأس عن أي مخرج ينقذها من قبضته. لكن قبل أن تستعيد أنفاسها، سمعت الصوت الذي كانت تخشاه مجددًا. وقع خطواته يقترب ببطء وثقة، وكأن الوقت كله ملك له وحده.

اندفعت تختبئ خلف عربة تنظيف مركونة في الزاوية، وحين وقعت عيناها على ممسحة تستند إلى الجدار بجانبها، ترددت لحظة قبل أن تضع الكتاب أرضًا وتقبض على عصاها بكلتا يديها. كانت تدرك سخافة محاولة مواجهة شيطان بممسحة، لكنها لم تجد أمامها سلاحًا آخر. شدّت قبضتها على العصا، وحبست أنفاسها، وانتظرت اقترابه.

"اخرجي..." قالها بنبرة هادئة تنضح بتسلية واضحة، كأنه لا يطاردها بل يدعوها للعب، كطفل يعرف تمامًا أين يختبئ خصمه.

اقتربت خطواته.

واحدة... ثم أخرى...

وما إن تجاوز مخبأها بخطوات قليلة، حتى اندفعت من خلف العربة بكل ما تبقى لديها من قوة، ورفعت الممسحة عاليًا قبل أن تهوي بها عليه بعنف. دوّت رنّة حادة أشبه بصوت معدن يُطرق حين اصطدمت العصا بجسده، لكنه لم يتحرك قيد أنملة، وكأنها ضربت جدارًا صلبًا يستحيل زحزحته.

تجمّدت لثوانٍ، قبل أن يلتفت إليها ببطء، وقد اتسعت ابتسامته، ولمعت عيناه بتلك التسلية الباردة التي بثّت الرعب في أوصالها.

"كان ذلك ممتعا."

سقطت الممسحة من يدها دون وعي، لكنها لم تنتظر لترى ما سيفعله بعدها، بل استدارت واندفعت هاربة بكل ما تبقى لديها من طاقة، حتى وصلت أخيرًا إلى الباب الذي بدا لها خلاصها الوحيد، ومدّت يدها نحوه بيأس، متشبثة بآخر أمل في النجاة.

لكن فجأة، التفّ شيء بارد حول معصمها.

شهقت، وحاولت انتزاع يدها، لكن قبضته لم تتزحزح.

"انتهت اللعبة... أيتها الصغيرة."

جاءها صوته من خلفها، قريبًا إلى حدّ جعلها تدرك أنه يقف على بُعد أنفاس منها. وقبل أن تتمكن من الالتفات إليه، حدث شيء غريب أمام عينيها.

بدأ الباب يتشوّه تدريجيًا، وتلاشت معالمه حتى اختفى تمامًا، ليحلّ مكانه فراغ مظلم تتلوّى في أعماقه خيوط قرمزية، وكأنها تنظر إلى هوّة سحيقة لا قرار لها.

تراجعت مذعورة، فاصطدمت بصدره، وحاولت الإفلات من قبضته، لكن ذراعه أحاطت بها بإحكام.

"لا... أرجوك! دعني أذهب!"

أخذت تقاومه بكل ما تبقى لديها من قوة، تضرب ذراعه وتحاول انتزاع نفسها منه، لكنه لم يبدِ أدنى تأثر بمحاولاتها. انحنى وحملها بين ذراعيه بسهولة مخيفة، كما لو أنها لا تزن شيئًا، ثم تقدّم بها نحو الفراغ المظلم.

"لا! لا أريد الذهاب معك!"

لم يكترث بصراخها.

وما إن خطا إلى الداخل حتى اجتاح جسدها إحساس غريب، كأن قوة خفية تمزّقها من الداخل وتعيد تشكيلها. اختفى كل ما حولها، وتداخلت الأصوات في أذنيها، بينما أخذ وعيها يتلاشى شيئًا فشيئًا ويبتلعها السواد..

"لقد خسرتِ، أيتها الإنسية..." همس قرب أذنها بصوت منخفض ومظلم. "والآن... أنتِ لي."

حين أحبني ملك الجن