حين أحبني ملك الجن

الفصل الرابع – سارة

لم تستطع سارة أن تصرخ.

ظلت تحدق في المخلوق الواقف أمامها، وقد اتسعت عيناها من شدة الرعب. حاولت التراجع، لكن ساقيها خذلتاها، فسقطت جالسة على الأرض.

كان طويلًا بصورة مخيفة، عريض الكتفين، تتصاعد حول جسده آخر خيوط الدخان الأسود. ومن فوق رأسه برز قرنان سميكان، بينما استقرت حوافره الضخمة على الأرضية الخشبية.

يا للهول...

كان حقيقيًا.

تحسست الأرض حولها، تبحث عن أي شيء يمكن أن تدافع به عن نفسها، حتى اصطدمت أصابعها بغلاف المخطوط الثقيل الذي سقط منها قبل لحظات. التقطته بسرعة وضمته إلى صدرها، ثم رفعت رأسها نحوه.

كان يراقبها بصمت.

"ابتعد عني!"

خرج صوتها مرتجفًا، بالكاد تعرفت إليه.

لم يتحرك.

رفعت الكتاب أمامها بكلتا يديها، متجاهلة الألم الخفيف الذي ما زال ينبض في ساعدها.

"قلت ابتعد!"

فكرت في قذفه نحو رأسه إن اقترب أكثر، لكنها سرعان ما ترددت. وماذا بعد؟ حتى لو أصابته، فلن يمنعه ذلك من الوصول إليها.

تقدم المخلوق خطوة بطيئة، وعيناه الحمراوان معلقتان بها، ثم انخفض نظره إلى ذراعها المكشوفة.

توقف.

انعقد حاجباه قليلًا وهو يتأمل العلامة الهلالية على جلدها. ظل ينظر إليها لحظات، وتبدلت ملامحه على نحو لم تفهمه سارة، قبل أن يرفع عينيه نحو وجهها مجددًا.

لكنها كانت مشغولة بمراقبة حوافره الضخمة، ولم تنتبه إلى اهتمامه المفاجئ بذراعها.

"انصرف... ابتعد عني!"

للحظة ظنت أنه سيغضب، لكنه انفجر ضاحكًا. انطلقت من صدره ضحكة عميقة ملأت الغرفة، وأرسلت قشعريرة على طول ظهرها. ثم انحنى قليلًا نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة.

"ولماذا استدعيتِني إذًا، أيتها الإنسية الصغيرة؟"

هزت رأسها بعنف.

"لم أستدعِ أحدًا! أنت الذي ظهرت في شقتي!"

اتسعت ابتسامته، ثم أشار بأحد أصابعه إلى بقع الدم التي اختلطت بالملح على الأرض. عندها لاحظت أظافره الطويلة المدببة، التي بدت أشبه بمخالب.

"وهذا؟"

تبعت سارة إشارته بعينيها، فتذكرت الوعاء الزجاجي الذي انكسر، والجرح الذي أصاب راحة يدها أثناء رسم الدائرة.

تبًا... هل يُعقل أنها استدعت جنيًا دون قصد؟

رفعت عينيها إليه في ذهول، لكنه كان ينظر مجددًا إلى العلامة الهلالية على ذراعها.

كانت ترتدي فستانًا بأكمام رقيقة من أجل التصوير، فبقيت ذراعاها مكشوفتين. لم يخطر ببالها أن تخفي الوحمة، ولم تفهم سبب اهتمامه بها.

ظلت جالسة على الأرض، تحدق فيه وتحاول استيعاب ما تراه. كان نصفه إنسانًا ونصفه وحشًا، بوجه تحيط به خصلات كثيفة من الشعر الأسود تنسدل حتى عنقه، وبشرة زيتونية وملامح حادة ذات وسامة قاسية. أما عيناه، فكانتا سوداويْن تتخللهما ومضات قرمزية، تحدقان بها بنظرة مفترسة.

انخفض بصرها ببطء، متتبعًا جسده الغريب. كانت له ساقان قويتان تنتهيان بحافرين أسودين، وجسد مفتول العضلات، وذراعان تنبئان بقوة مرعبة.

تبًا... منذ متى كانت الوحوش جذابة؟

شعرت بالغثيان من مجرد الفكرة. كان يُفترض أن تشعر بالنفور التام، لا أن تجلس مأخوذة بتأمل ملامح مخلوق لا ينتمي إلى عالمها.

ومع ذلك، وجدت نفسها ترفع عينيها إليه مرة أخرى.

حتى القرنان الأسودان البارزان من صدغيه، والمنحنيان إلى الأعلى قبل أن يلتفّا خلف أذنيه، لم ينتقصا من وسامته الوحشية، بل زادا مظهره رهبة.

رمشت سريعًا، وأجبرت نفسها على إبعاد نظرها.

"أتخشين النظر إليّ؟"

جاء صوته عميقًا، مشوبًا بسخرية مهينة، فشعرت بالحرارة تتصاعد إلى وجنتيها.

"لا!" ردّت بحدّة.

لكنها كانت تكذب... فهي لم تكن تخشى النظر إليه لأنه وحش.

بل لأنها بدأت تخشى ما قد يحدث لها إن أطالت النظر.

"إذًا انظري إليّ!"

دوّى صوته بقوة حتى شعرت بأن السقف نفسه يهتز. ارتجفت الكؤوس والصحون على رفوف غرفة المعيشة الصغيرة، فابتلعت سارة ريقها، وشدّت قبضتها على الكتاب.

"انظري إليّ!"

رفعت سارة عينيها إليه مرة أخرى. كان الأجدر بها أن تهرب، لكنها ظلت جالسة داخل دائرة الملح، لا تجرؤ على مغادرتها.

تردد في ذهنها التحذير الذي قرأته في المخطوط: "لا تقرأ الكتاب دون دائرة من الملح تحميك."

لحسن الحظ أنها انتبهت إلى تلك المعلومة، فقد بدأت تعتقد أن الدائرة هي الشيء الوحيد الذي يحول بينهما. ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من التساؤل:

كيف يمكن للملح أن يمنع مخلوقًا مثله من قتلها؟

"أنا لا أخافك!"

خرج صوتها أقوى مما توقعت، رغم الارتجاف الذي لم تستطع السيطرة عليه.

ضحك أزازيل، ثم مال برأسه قليلًا.

"إذًا اخرجي من دائرة الملح، ولنرَ كم أنتِ شجاعة."

تعلقت عيناها بحوافره التي توقفت عند حدود الدائرة. بدأ يخطر ببالها أن الملح يمنعه بالفعل من الاقتراب، مما منحها شيئًا من الطمأنينة.

"ولِمَ أكون بهذه الحماقة؟"

رفع إحدى حوافره وتقدم خطوة، لكنه توقف قبل أن يتجاوز الخط الأبيض.

شعرت برغبة في الابتعاد عنه، لكنها تماسكت. كان يريدها أن تخرج من الدائرة، ولن تمنحه هذه المتعة.

"كنتِ حمقاء حين استدعيتِني."

انكمشت ملامحها، واشتعل الغضب في صدرها.

"قلت لك إنني لم أستدعِك! كل ما فعلته أنني جرحت يدي بالخطأ!"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

"ومع ذلك... ها أنا ذا."

شدّت قبضتها على الكتاب، ولم تجد ما ترد به. لم تكن تعرف كيف حدث ذلك، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد... لم تقصد استدعاءه قط.

ولم يكن يروق لها أن يسخر منها.

لو كان إنسانًا، لكانت لقّنته درسًا... أو رمت الكتاب على رأسه على الأقل. لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك.

"أنتِ محظوظة أن مزاجي جيد، وإلا لكنتِ ميتة الآن."

قالها وهو يبتسم ابتسامة قاسية، كأن الحديث عن قتلها أمر لا يستحق الاهتمام.

تسارعت دقات قلبها، لكنها رفعت ذقنها قليلًا. إن كان يريد قتلها، فلن تمنحه متعة رؤيتها تتوسل إليه.

أطلق ضحكة مكتومة، ثم قال بنبرة ساخرة:

"أيتها الإنسية الصغيرة... لديكِ شيء يخصّني."

الكتاب!

ضمّت المخطوط إلى صدرها بقوة، وقد ازداد اقتناعها بأنه السبب في كل ما يحدث.

بدأ أزازيل يدور حول دائرة الملح ببطء، كصياد يراقب فريسته. تابعت حركته بعينيها، ثم استعانت بإحدى يديها لتنهض دون أن تترك الكتاب.

وحين توقف عند جانبها الأيمن، استدارت نحوه، فرأت باب الشقة المستأجرة خلفه.

كان المخرج قريبًا، لكنه عديم الفائدة ما دام يقف في طريقها.

المكان الوحيد الذي شعرت فيه بشيء من الأمان كان داخل الدائرة.

لكن إلى متى؟

"تريد الكتاب؟" سألته، مشددة قبضتها عليه.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.

"نعم." أجاب وهو ينقر بحافره على الأرض، ثم استطرد: "من بين أشياء أخرى."

شعرت بانقباض في معدتها، لكنها لم تجرؤ على سؤاله عما يقصده.

"إذًا لنعقد صفقة." حاولت تثبيت صوتها. "تغادر فور أن أعطيك الكتاب."

"لا، أيتها الإنسية، هذا لا يكفي!"

انفجر ضاحكًا، حتى شعرت باهتزاز خفيف تحت قدميها.

لا يكفي؟ ماذا يعني ذلك؟

"أُثني على شجاعتك. أنتِ مخلوق مثير للاهتمام."

قالها بنبرة ساخرة، فاشتعل غضبها مجددًا.

"وأنت وحش كريه الرائحة."

اتسعت ابتسامته.

لكنه حين اقترب من حدود الدائرة، وصلت إليها رائحته لأول مرة.

كانت رائحة مسك غنية، على خلاف ما توقعت تمامًا.

كيف لمخلوق بهذا المظهر المرعب أن تفوح منه رائحة المسك؟

"خذ كتابك اللعين وارحل."

"الأمر لا يجري هكذا عادة." قال وهو يشير إلى الكتاب. "عادةً آخذ ما أريد بعد أن أقتل من استدعاني. لكنني اليوم في مزاج يسمح لي ببعض التسلية."

تجمدت سارة.

"أي تسلية؟"

مال برأسه قليلًا، وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة.

"لعبة."

لعبة؟

أي جنون هذا؟

"أي... أي نوع من الألعاب؟"

"تحدٍّ بسيط."

تحرك جانبًا، مفسحًا المجال أمامها لرؤية الباب.

"تهربين. إن خرجتِ من المبنى، آخذ الكتاب فقط وأترككِ. لكن إن أمسكتُ بكِ أولًا... آخذ الكتاب، وآخذكِ."

"إلى أين؟"

"إلى العالم السفلي."

ارتجف جسدها.

"هذا غير عادل."

"سأمنحكِ أفضلية... سأعدّ حتى المئة."

"حتى ذلك ليس عادلًا!"

"خذي الصفقة... أو اتركيها."

رفعت ذقنها بعناد.

"أو أبقى هنا داخل الدائرة."

ضحك.

"إلى الأبد؟"

لم تجب.

كانت تعرف أنها لا تستطيع البقاء في مكانها، لكنها لم تكن مستعدة للمخاطرة بالخروج.

"لماذا تفعل هذا؟"

"للتسلية." أجاب ببرود. "أنا أشعر بالملل."

حدقت فيه.

"الملل؟"

كيف يمكن لجني أن يشعر بالملل؟

"نعم."

أثار جوابه غضبها أكثر من تهديداته السابقة. كانت حياتها على المحك، بينما يتعامل هو مع الأمر وكأنه لعبة لتمضية الوقت.

رفعت ذقنها بعناد، محاولة إخفاء ارتجاف ساقيها.

"كيف أعرف أنك لا تكذب؟" سألته. "أنك لن تقتلني بمجرد خروجي من دائرة الملح؟"

لم يجبها فورًا، بل نظر إلى الدائرة عند قدميها، ثم رفع إحدى يديه ونقر بأصابعه. اندفعت ريح قوية بعثرت الملح في كل اتجاه، فاختفت الدائرة تمامًا. تجمّدت سارة في مكانها، وعيناها معلّقتان بالأرض، غير مصدّقة ما حدث أمامها.

كان يستطيع إزالتها طوال الوقت!

رفعت رأسها إليه ببطء، وقد أدركت أنه كان يتسلى بخوفها منذ اللحظة الأولى.

"أيتها الإنسية البريئة..." قال بنبرة ناعمة مخيفة. "لو أردتُ قتلكِ، لكنتِ الآن بقعة من الدماء على الأرض، لا واقفة تجادلينني."

ثم أشار نحو الباب، وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة.

"والآن... سنلعب."

"لكنني لم أوافق!"

لم يكترث باعتراضها.

"واحد..."

تراجعت سارة خطوة، تنظر إليه بعدم تصديق.

"اثنان..."

التفتت نحو الباب، ثم أعادت نظرها إليه.

كان يعد فعلًا.

"ثلاثة..."

"اهربي... أيتها الإنسية. إن أمسكتُ بكِ فلن أفلتكِ أبدًا."

لم تنتظر أن يكمل العد.

استدارت وانطلقت نحو الباب بكل ما أوتيت من قوة.

حين أحبني ملك الجن