↗ الرئيسية
حين أحبني ملك الجن

الفصل الثالث – سارة

شغّلت سارة الكاميرا، ووقفت في مواجهتها.

"حسنًا... أنتم طلبتم هذا الفيديو."

ابتسمت للعدسة، ثم رفعت الكتاب القديم أمامها. "اليوم لدينا شيء مختلف قليلًا. مخطوط غامض عُثر عليه داخل صندوق قديم، ويبدو أنه يعود إلى حقبة تاريخية بعيدة."

فتحت الكتاب بحذر، وبدأت تقلب صفحاته أمام الكاميرا. "كما ترون، يحتوي المخطوط على رسومات لكائنات أسطورية، ونصوص بلغات قديمة، بعضها لم أتمكن من التعرف إليها حتى الآن."

توقفت عند إحدى الصفحات، ثم أشارت إلى رسم لملك يجلس على عرش عظيم. "لكن أكثر ما أثار اهتمامي هو هذا الرجل... الملك آصف. بحسب ما ورد في المخطوط، كان ملكًا بشريًا عظيمًا، ارتبط اسمه بحكايات قديمة عن الجن وممالكهم."

قرّبت الكتاب من العدسة قليلًا. "تقول الأسطورة إنه امتلك قدرة استثنائية مكّنته من إخضاع بعض ملوك الجن لسلطانه. لكنهم لم يكونوا جميعًا أعداء له، فقد تحالف مع بعضهم أيضًا."

قلبت الصفحة. "ومن بين الأسماء التي يذكرها المخطوط... أزازيل."

توقفت عند الرسم الذي تعرفت إليه في الليلة السابقة. ولسبب لم تفهمه، شعرت بالانزعاج نفسه الذي انتابها حين رأته للمرة الأولى.

"أزازيل... أحد أقوى ملوك العالم السفلي."

تأملت العينين الحمراوين لحظة، ثم أعادت نظرها إلى العدسة. "لا أعرف إن كانت هذه الحكايات مستوحاة من أساطير أقدم، أم أنها مجرد خيال مؤلف المخطوط، لكن عليّ الاعتراف بأن الرسومات متقنة بصورة مذهلة."

أعادت نظرها إلى الكتاب، ومررت أصابعها فوق بعض النصوص المكتوبة على هوامش الصفحات. "وهناك تحذير يتكرر أكثر من مرة في هذا المخطوط... بعض النصوص لا ينبغي قراءتها بصوت عالٍ، لأن القدماء اعتقدوا أنها قد تستدعي مردة يصعب التخلص منها."

رفعت سارة عينيها نحو العدسة، وعلى شفتيها ابتسامة مرحة. "وبما أننا هنا لتقديم حلقة تاريخية فقط، فلن نجرب شيئًا من هذا القبيل."

غمزت للكاميرا وأضافت مازحة: "لا نريد استدعاء أحد!"

ثم عادت إلى تقليب صفحات الكتاب. "لكن هناك تفصيلًا آخر أثار فضولي."

توقفت عند رسم لدائرة تحيط بها رموز غريبة، ورفعته أمام الكاميرا. "من المعتقدات القديمة التي يذكرها هذا الكتاب أن الملح كان يُستخدم للحماية من الكائنات الخارقة. وكان البعض يعتقد أن رسم دائرة منه حول الإنسان يمنع تلك الكائنات من الاقتراب."

ابتسمت وهي تنظر إلى الرسم، ثم تابعت: "وبما أننا نتحدث عن الأساطير، فلا بأس أن أريكم كيف كانوا يتصورون هذه الحماية."

وضعت الكتاب على طاولة قريبة، ثم تناولت وعاءً زجاجيًا صغيرًا ملأته بالملح. انحنت وبدأت تنثر الملح على الأرض، ترسم دائرة واسعة حول المكان الذي تقف فيه. وكانت قد أوشكت على إكمالها حين انزلق الوعاء من أصابعها وارتطم بالأرض، فتحطم وتناثر الزجاج حولها.

"تبًا!"

انحنت لتجمع القطع الكبيرة وتبعدها عن موضع التصوير، لكن إحدى الشظايا جرحت راحة يدها.

"آه!"

سحبت يدها بسرعة، فرأت خطًا رفيعًا من الدم يمتد عبر جلدها. لم يكن الجرح عميقًا، لكنه كان مؤلمًا. تناولت منديلًا من الطاولة وضغطت به على يدها، دون أن تنتبه إلى قطرات الدم التي سقطت على الملح قبل أن تتمكن من إيقاف النزيف.

جمعت ما تبقى من الزجاج بحذر، ثم لاحظت أن جزءًا من الدائرة قد انقطع عند موضع الوعاء المكسور. تناولت ما تبقى من الملح وأكملت الخط، ثم نهضت وأبعدت الزجاج عن المكان.

"حسنًا... لنكمل."

عادت سارة إلى موضعها أمام الكاميرا، والتقطت المخطوط مجددًا. وما إن استأنفت القراءة حتى لاحظت ظلالًا طويلة تمتد على الجدران، بينما أخذ المصباح يومض دون سبب واضح. رفعت رأسها نحو الضوء، وقد بدأ القلق يتسلل إليها.

وفجأة، صدر صرير خافت من الممر الخارجي، تلاه صوت باب يُغلق بعنف.

تجمدت سارة. "من هناك؟"

انتظرت لحظة، لكن أحدًا لم يجب. وضعت الكتاب على الطاولة، وتقدمت نحو الكاميرا لتتأكد من أنها لا تزال تسجل. وبينما كانت تفحص الشاشة، وصل إلى أذنيها صوت خافت، أشبه بهمسة لم تستطع تمييز كلماتها، ثم عم الصمت.

تحركت في أرجاء الشقة، تتفقد الأبواب والنوافذ، لكنها وجدتها جميعًا مغلقة. حتى غرفة النوم كانت خالية، ولم تجد شيئًا يفسر الأصوات التي سمعتها. ربما كان الصوت صادرًا من إحدى الشقق المجاورة.

عادت إلى غرفة المعيشة، لكن الحماس الذي بدأت به التصوير كان قد تلاشى. لم تعد مرتاحة لفكرة وجودها وحدها في الشقة بعد منتصف الليل. ربما كان عليها انتظار مادلين، أو تأجيل التصوير إلى وضح النهار، لكنها لم تشأ إعادة تجهيز المكان وتصوير الحلقة من بدايتها. لم يتبقَّ لها الكثير على أي حال.

عادت إلى موضعها أمام الكاميرا، والتقطت المخطوط مجددًا. فتحته عند الصفحة التي تحمل صورة الملك الشيطاني، وإلى جوارها النصوص القديمة التي حذّر المخطوط من قراءتها.

حبست أنفاسها للحظة حين شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كانت العينان الحمراوان في الرسم تبدوان وكأنهما تحدقان بها، ثم باغتتها وخزة حادة في ساعدها، تركزت عند الوحمة الهلالية التي تحملها منذ ولادتها.

اشتد الألم فجأة، وتيبست أصابعها للحظات، فأفلتت المخطوط من يدها وسقط مفتوحًا عند قدميها.

"ما الذي يحدث...؟"

أمسكت ساعدها، وأخذت تدلك موضع العلامة بقلق. سرعان ما زال التقلص، لكن الألم ظل ينبض تحت جلدها. تسارعت أنفاسها، وحاولت أن تفهم ما أصابها.

ثم وصل إلى أذنيها صوت غريب، حركة خافتة... كأن شيئًا ينساب فوق الأرض.

خفضت عينيها نحو الكتاب الذي سقط عند قدميها، فرأت خيطًا رفيعًا من الدخان الأسود يتصاعد ببطء من بين صفحاته المفتوحة. حدقت فيه غير مصدقة؛ لم يكن هناك لهب، ومع ذلك أخذ الدخان يتكاثف ويرتفع نحو السقف، ثم ينتشر في أرجاء الغرفة.

"يا إلهي..."

ازداد الدخان كثافة بسرعة مخيفة، حتى بدأت معالم الأثاث تختفي خلفه. اتسعت عينا سارة من شدة الرعب، وظلت واقفة في مكانها، عاجزة عن تحريك ساقيها، بينما أخذ الدخان يتكاثف حولها وكأنه يحاصرها.

كانت الكاميرا لا تزال تسجل، لكن سارة لم تعد تفكر فيها. تسارع نبضها بعنف، وعيناها معلقتان بالدخان الأسود الذي ملأ الغرفة.

وفجأة، ظهر وميض خاطف، أعقبه انفجار عدسة الكاميرا بصوت حاد.

بدأ الدخان ينقشع، ليكشف عن هيئة طويلة... ضخمة... لمخلوق غير بشري.

كان يشبه الصورة التي رأتها في المخطوط قبل دقائق...

ملك الجن أزازيل.