كانت أقدم ذكريات سارة مرتبطة بأزقة القدس القديمة. فقد زارت هذه المدينة مع والديها وهي طفلة، وتجولت معهما في أسواقها وساحاتها، ولم تتخيل يومًا أن العودة إليها بعد كل تلك السنوات ستوقظ فيها هذا القدر من الحنين والألم. حاولت إبعاد الذكريات عن ذهنها، وراحت تتأمل الأقواس الحجرية والنقوش القديمة والحياة التي تضج بها الأزقة، بحثًا عن أي شيء يشغلها عن التفكير في الماضي.
عدّلت حزام الكاميرا على كتفها، واستنشقت نفسًا عميقًا وهي تستمتع بدفء شمس الصباح. كانت المدينة تعج بالحركة؛ أصوات الباعة تتعالى من الدكاكين، وعجلات العربات تقرع الحجارة المرصوفة، وروائح التوابل والقهوة المحمصة تتسلل من المحال الصغيرة. ابتسمت وهي تتأمل المشهد من حولها. كان هذا بالضبط ما تحتاج إليه لتستعيد حماسها للعمل.
شغّلت الكاميرا، وارتسمت على وجهها ابتسامتها المرحة المعتادة، ثم خاطبت متابعيها بنبرة مفعمة بالحماس:
"حسنًا يا شباب... حلقة جديدة! نحن اليوم نتجول في القدس التاريخية..."
أخذت تصور الجدران العتيقة والنقوش التي محا الزمن بعض تفاصيلها، والساحات الصغيرة المختبئة خلف الأبواب الخشبية الثقيلة. كانت تتوقف بين الحين والآخر لتشرح تاريخ أحد المباني أو تلفت انتباه المشاهدين إلى تفصيل معماري يستحق التأمل.
لكنها، رغم انشغالها بالتصوير، لم تستطع منع ذكريات طفولتها من العودة. كانت في العاشرة من عمرها حين زارت هذا المكان للمرة الأولى. تذكرت أمها وهي تمسك بيدها أثناء تجولهما في الأسواق، وتضحك من مساومات الباعة، ووالدها الذي كان يتوقف عند كل مبنى قديم تقريبًا ليشرح لها تاريخه بصبر لا ينفد. كانت تلك الرحلات من أجمل ذكرياتها، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتها تتعلق بالتاريخ منذ صغرها.
وجهت الكاميرا نحو ساحة تغمرها أشعة الشمس، وحاولت استعادة تركيزها.
"الضوء هنا..." قالت وهي تتأمل المشهد عبر العدسة. "لا يشبه أي مكان آخر."
لكنها شعرت بغصة مفاجئة، فتنحنحت قبل أن تواصل حديثها. لم تكن تريد أن يظهر حزنها في التسجيل، خصوصًا أنها جاءت لتقدم حلقة ممتعة لمتابعيها، لا لتستعيد أمامهم ذكرياتها الشخصية.
مضت خمس سنوات على وفاة والديها، ومع ذلك، كانت بعض التفاصيل كافية لتعيد إليها ألم ذلك اليوم. كانا في طريقهما لزيارتها في الجامعة ، حيث كانت تبلغ الثانية والعشرين وتستعد لإنهاء عامها الدراسي الأخير، حين تعرضا لحادث سير أودى بحياتهما. تذكرت الساعات التي قضتها في المستشفى، والوجوه المتجهمة التي استقبلتها، واللحظة التي أدركت فيها أنها لن تراهما مرة أخرى. حاولت ألا تسترسل في التفكير، وشدت قبضتها على الكاميرا قبل أن تتابع طريقها.
كانت الشوارع قد ازدحمت بالسياح، والمجموعات تتوقف لالتقاط الصور التذكارية، بينما تتداخل الأحاديث بلغات مختلفة. انعطفت سارة إلى زقاق ضيق، ورفعت الكاميرا لتصور أشعة الشمس وهي تنعكس على الحجارة القديمة. وجدت في مواصلة العمل وسيلة جيدة لتشتيت أفكارها؛ فقد اعتادت منذ وفاة والديها أن تملأ أيامها بالتصوير والسفر والمونتاج، حتى لا تترك لنفسها وقتًا طويلًا تستغرق فيه في الحزن.
توقفت أمام لوحة فسيفسائية تزين أسفل أحد المباني، وانحنت لتتفحص قطعها الصغيرة. مررت أصابعها فوق الحجارة الملساء، ثم قربت الكاميرا لتلتقط تفاصيلها.
"هذه القطع الصغيرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين."
ابتسمت وهي تتذكر والدها. كان يعشق مثل هذه الاكتشافات، وكثيرًا ما كان ينحني إلى جوارها ليريها تفصيلًا لم تنتبه إليه، ثم يرفع نظارته بحركته المعتادة ويقول ضاحكًا:
"دققي النظر يا سارة... كل تفصيل صغير يروي حكاية."
ابتسمت للذكرى، وإن شعرت بعينيها تدمعان قليلًا. كم كانت تتمنى لو استطاعت أن تخبره بكل الأماكن التي زارتها منذ رحيله، وأن تريه الصور والمخطوطات التي عثرت عليها خلال أسفارها. كانت متأكدة أنه سيستمتع بسماع حكاياتها أكثر من أي شخص آخر. مسحت طرف عينها سريعًا، ثم نهضت وعادت إلى التصوير، وقد بدأت تشعر بالإرهاق.
حين نظرت إلى الساعة، فوجئت بأنها أمضت أربع ساعات كاملة تتجول بين الأزقة والمواقع التاريخية. لم تتوقف خلالها إلا مرات قليلة، وكانت قد جمعت قدرًا كبيرًا من المقاطع التي تحتاج إلى مراجعة وترتيب. شعرت بثقل الكاميرا على كتفها، وبألم خفيف في ساقيها من كثرة المشي، فقررت أن الوقت قد حان للعودة إلى الشقة التي استأجرتها خلال إقامتها.
كان أمامها عمل كثير؛ مراجعة التسجيلات، واختيار أفضل اللقطات، ثم البدء في المونتاج. وقد جمعت بالفعل ما يكفي لعمل حلقة كاملة، وربما أكثر. ورغم أنها لم تكن تحب الساعات الطويلة التي تقضيها أمام الحاسوب في تحرير المقاطع، فإنها كانت تتطلع هذه المرة إلى الانشغال بها بقية اليوم بدل ان تغرق في ذكرياتها الحزينة.
وجهت الكاميرا نحو السوق المزدحم لالتقاط مشهد أخير، ثم أوقفت التسجيل، وأعادت الجهاز إلى حقيبتها قبل أن تتجه عائدة إلى شقتها.
ما إن عادت سارة إلى شقتها حتى جلست أمام حاسوبها، وبدأت بمراجعة المقاطع التي صورتها خلال النهار. راحت تنتقي أفضل اللقطات وتعيد ترتيبها، مستمتعة بمشاهدة الأزقة والأسواق القديمة تنبض بالحياة على الشاشة، بألوانها وأصواتها وحركة المارة فيها.
وبعد أن انتهت من مونتاج الجزء الأول، قررت تفقد المقطع التشويقي الذي نشرته في وقت سابق من ذلك اليوم. فتحت حسابها، وفوجئت بالعدد الكبير من الرسائل والتعليقات التي وصلتها خلال الساعات الماضية. كان معظم المتابعين يطالبونها بتصوير حلقة تتصفح فيها المخطوط الغامض الذي تحدثت عنه.
ماذا؟
ضحكت وهي تقرأ التعليقات. ربما لم تكن فكرة تصوير حلقة عن كتاب قديم سيئة إلى هذا الحد. بل ربما كان من الأفضل أن تبدأ بها قبل نشر بقية مقاطع رحلتها، فمن الواضح أن هذا النوع من المحتوى يثير فضول المشاهدين، وقد يساعدها على اجتذاب متابعين جدد إلى قناتها.
تذكرت سارة الصندوق الحديدي الذي تركته في الممر، فنهضت لإحضاره، ثم استقرت على الأريكة وأخرجت المخطوط من داخله. تأملت غلافه الجلدي البالي، ومررت أصابعها فوق النقوش المحفورة عليه قبل أن تفتحه بحذر. كان واضحًا أنه قديم للغاية، وربما يعود إلى حقبة تاريخية بعيدة.
بدأت تقلب صفحاته، فاكتشفت نصوصًا باللاتينية والعربية، تتخللها رسومات دقيقة لكائنات غريبة، ورموز وطلاسم لم تتعرف إلى معظمها. لم يكن مجرد كتاب قديم كما ظنت مادلين، بل مخطوطًا يستحق الدراسة، وربما كان ذا قيمة تاريخية كبيرة.
أعادها منظر المخطوط إلى ذكريات والدها، الذي كان شغوفًا بجمع التحف النادرة والكتب القديمة خلال أسفاره العسكرية. ويبدو أنها ورثت عنه ذلك الشغف؛ فقد كانت علاقتهما وثيقة منذ طفولتها، وكانت أقرب إليه من والدتها. أمضت ساعات طويلة في مكتبه، حيث علّمها أساسيات اللغة اللاتينية، واعتادا معًا دراسة النصوص القديمة التي جمعها خلال رحلاته. كانت رائحة الكتب العتيقة، وصوته وهو يقرأ لها كلمات بلغات أجنبية، من الذكريات التي لا تزال تحتفظ بها بمحبة.
ابتسمت بحنين، ثم عادت إلى المخطوط. لحسن حظها، كان جزء كبير منه مكتوبًا باللاتينية، مما سمح لها بفهم بعض النصوص، وإن استعصت عليها كلمات كثيرة بسبب قدم اللغة وغرابة المصطلحات.
تتابعت أمامها رسومات لأعشاب ونباتات غريبة، ثم ظهرت مخلوقات أسطورية؛ أفعى ضخمة ذات سبعة رؤوس، ومارد نحيل بلا وجه تحيط به الظلال وتنتهي أصابعه بمخالب طويلة، وتنين مكسو بالحراشف ينفث النار من فمه. كانت التفاصيل مرسومة بعناية مذهلة، حتى إنها بدت أقرب إلى أعمال الفن القوطي منها إلى الرسومات التي اعتادت رؤيتها في المخطوطات التاريخية.
واصلت تصفح المخطوط، فوجدت فصولًا تتناول معتقدات قديمة عن التطهير والاختفاء، وأخرى تضم رموزًا وابتهالات غريبة وطقوسًا لم تسمع بها من قبل. أدهشها مقدار التفاصيل التي احتواها الكتاب، والدقة التي رُسمت بها الأشكال والرموز على صفحاته الصفراء.
لا بد أن هذا المخطوط يساوي ثروة!
راحت تقلب الصفحات بحماس متزايد، تتوقف عند الرسومات وتقرأ ما استطاعت فهمه من الشروح المكتوبة أسفلها، حتى استوقفها رسم مختلف تمامًا عما سبقه.
كان يصور مخلوقًا مرعبًا بملامح تجمع بين الإنسان والوحش. تحيط برأسه قرون ملتوية، وله وجه طويل غريب التكوين، وعينان حمراوان تحدقان في القارئ بنظرة مخيفة. تأملت رأسه باستغراب؛ فقد بدت بعض ملامحه شبيهة بملامح الماعز، بينما احتفظ وجهه بسمات بشرية واضحة.
مالت سارة نحو الصفحة، تحاول تمييز الحروف المكتوبة أسفل الرسم. كان هناك اسم بخط كبير، تليه بضعة أسطر بلغة قديمة.
"أزازيل..."
نطقت الاسم بصوت خافت، ثم عادت تتأمل الرسم الغريب. لم يسبق لها أن رأت تصويرًا لهذا المخلوق بمثل تلك الهيئة. انتقلت عيناها إلى السطور المكتوبة أسفل اسمه، وتمكنت من فهم عبارة قصيرة:
"أمير الظلام... ملك العالم السفلي."
رفعت حاجبيها باهتمام.
"يا له من عنوان متواضع!"
ابتسمت ساخرة، ثم تناولت هاتفها لتبحث عن الاسم، لكنها توقفت حين لفت انتباهها رمز صغير مرسوم أسفل الصفحة.
كان هلالًا داكنًا تتفرع من طرفيه خطوط دقيقة.
عقدت حاجبيها، ثم رفعت كم قميصها وكشفت عن الوحمة التي تحملها على ذراعها منذ ولادتها. قربتها من الصفحة، وأخذت تقارن بين العلامتين، لتكتشف أن التشابه امتد حتى إلى الخطوط الدقيقة المحيطة بالهلال.
"هذا غريب..."
تأملت الرمز طويلًا، تحاول تذكر ما إذا كانت قد صادفت شكلًا مشابهًا له في إحدى دراساتها، لكنها لم تتوصل إلى شيء.
كيف انتهى رسم مطابق تقريبًا لوحمتها في مخطوط يعود إلى زمن مجهول؟
عادت عيناها إلى صورة أزازيل، وللحظة خُيّل إليها أن نظراته تتبع حركتها. أبعدت الكتاب عنها وأغلقته، وقد بدأ شعور غير مريح يتسلل إليها.
"مجرد مصادفة..."
قالتها بصوت مسموع، محاولة إقناع نفسها بأن التشابه لا يعني شيئًا. فلا بد أن هناك تفسيرًا منطقيًا، وربما كان الرمز شائعًا في بعض الحضارات القديمة، وصادف أن تشابه مع وحمتها.
لكنها، رغم ذلك، لم تستطع إخراج صورته من ذهنها.
رفعت رأسها نحو الساعة المعلقة على الجدار، وفوجئت بأنها تجاوزت العاشرة مساءً.
تبًا! كيف مر الوقت بهذه السرعة؟
أمضت ساعات طويلة في تصفح المخطوط دون أن تشعر، وكان عليها أن تستيقظ مبكرًا في اليوم التالي لتصوير حلقة جديدة. أرادت زيارة بعض المواقع التاريخية قبل أن تزدحم بالسياح، ولذلك قررت تأجيل البحث في الكتاب إلى وقت آخر.
أعادت إغلاق المخطوط، وتركته على الطاولة قبل أن تتجه إلى غرفتها.
لكن النوم لم يأتِ بسهولة. ظلت سارة تتقلب في فراشها، تستعيد ما اكتشفته في المخطوط، وتحاول إيجاد تفسير للتشابه الغريب بين الرمز المرسوم فيه والوحمة التي تحملها. كانت تعرف أن المصادفات تحدث، لكنها لم تستطع تجاهل ما رأته، خصوصًا بعد ذلك الإحساس المزعج بأن المخلوق المرسوم يراقبها.
حاولت صرف انتباهها بالتفكير في جدول تصويرها لليوم التالي، لكن الوقت مضى دون أن تشعر بالنعاس. وفي النهاية، استلقت على ظهرها ومدت يدها نحو هاتفها.
12:56 بعد منتصف الليل.
معقول؟
زفرت بانزعاج. يبدو أنها لن تنام الليلة، فقررت استغلال الوقت في التفكير بموضوع حلقتها القادمة. وإذا كان عقلها يرفض الراحة، فمن الأفضل أن تستفيد من ذلك بدلًا من الاستمرار في التقلب على الفراش.
فتحت تطبيق الفيديوهات، وأخذت تتصفح بعض القنوات المنافسة. في الأشهر الأخيرة، بدأت قناتها تفقد شيئًا من بريقها، وكان صناع المحتوى الجدد يظهرون باستمرار، ويحققون ملايين المشاهدات بمقاطع تتناول الظواهر الخارقة والمغامرات المرعبة، بينما كانت حلقاتها التاريخية، التي تبذل جهدًا كبيرًا في إعدادها والبحث عن مصادرها، تكافح للحفاظ على اهتمام الجمهور.
استوقفها عنوان أحد المقاطع:
استكشاف أشهر منزل مسكون بالأشباح.
أطلقت ضحكة ساخرة، ثم ضغطت عليه بدافع الفضول. لم تمر سوى ثوانٍ حتى بدأ أشخاص بالصراخ وإلقاء أنفسهم على الأرض، مدعين أن أرواحًا خفية قد تلبست أجسادهم. أما التعليقات، فكانت تعج بمشاهدين يقسمون أن ما يرونه حقيقي، ويطالبون أصحاب القناة بتصوير المزيد.
هزت سارة رأسها غير مصدقة. لم يبدُ شيء مما شاهدته مقنعًا بالنسبة إليها، بل كانت بعض المشاهد مفتعلة إلى درجة تدعو للضحك. ومع ذلك، فقد حصد المقطع ملايين المشاهدات، بينما لم تحقق أحدث حلقاتها التاريخية سوى جزء ضئيل من ذلك الرقم.
ربما كانت المشكلة أنها لم تفهم ما يريده الجمهور. فالناس، على ما يبدو، لم يعودوا يبحثون عن الحقائق بقدر ما يبحثون عما يثير دهشتهم، حتى لو كان واضحًا أنه مجرد تمثيل.
ضغطت بأصابعها على أعلى أنفها، محاولة تخفيف الصداع الذي بدأ يداهمها. إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فقد لا تتمكن قناتها من الصمود طويلًا، وحينها ستضطر إلى العودة إلى العمل المكتبي؛ أضواء المصابيح البيضاء المزعجة، والاجتماعات التي لا تنتهي، والساعات الطويلة التي تقضيها متظاهرة بأنها لا تكره كل دقيقة من ذلك الروتين.
مجرد التفكير في الأمر أصابها بالنفور. لقد بذلت جهدًا كبيرًا حتى استطاعت تحويل شغفها بالسفر والتاريخ إلى عمل تعيش منه، ولم تكن مستعدة للتخلي عنه بسهولة.
وضعت سارة الهاتف جانبًا، وظلت تفكر فيما يمكنها فعله لاستعادة اهتمام متابعيها. تذكرت الرسائل التي قرأتها في وقت سابق، وإلحاح الجمهور على رؤية المخطوط الذي عثرت عليه في مكتبة مادلين.
التفتت نحو غرفة المعيشة، حيث تركت الكتاب على الطاولة. وبعد لحظات من التردد، نهضت وأحضرته إلى غرفتها، ثم فتحته عند الصفحة التي تحمل صورة أزازيل.
تلك العينان القرمزيتان...
تأملت الرسم، ثم مررت أصابعها فوق الكلمات القديمة المكتوبة أسفله. وفجأة، شعرت بوخز حاد في ساعدها، عند موضع الوحمة الهلالية.
سحبت يدها بسرعة، وقد اتسعت عيناها من المفاجأة. كان الإحساس مشابهًا لما شعرت به حين لمست المخطوط للمرة الأولى، لكنه هذه المرة انتشر عبر ذراعها، ثم امتد إلى بقية جسدها قبل أن يتلاشى.
رفعت كم قميصها وتفحصت الوحمة. لم يتغير شكلها، ولم يظهر على جلدها ما يفسر ذلك الوخز.
أغلقت الكتاب، ثم أعادت فتحه، وقد ازداد إصرارها على معرفة مصدره. لا بد أن هناك تفسيرًا لما يحدث، وربما تستطيع العثور على بعض الإجابات إذا بحثت في تاريخ الرموز الواردة فيه.
عندها خطرت لها فكرة.
لماذا تنتظر حتى الصباح؟
كانت مستيقظة على أي حال، والمخطوط بين يديها، وجمهورها ينتظر حلقة عنه. يمكنها استغلال الوقت في تصوير المادة الأولية، ثم مراجعة المعلومات والبحث عن مصادرها قبل نشرها.
أزاحت الغطاء عنها، ونهضت من فراشها، ثم حملت المخطوط وكاميرتها إلى الغرفة الصغيرة التي خصصتها للتصوير.
وضعت الكتاب على الطاولة، وثبتت الكاميرا أمامها، وبدأت بضبط الإضاءة. كانت تنوي استعراض الرسومات والحكايات القديمة التي يتناولها المخطوط، وربما تتوصل خلال إعداد الحلقة إلى تفسير للرمز الذي يشبه وحمتها.
لم تكن سارة تؤمن بوجود المخلوقات التي صورتها تلك الصفحات، ولم يخطر ببالها أن يكون وراء الحكايات التي قرأتها شيء حقيقي.
كل ما أرادته هو تصوير حلقة مختلفة، تمنح متابعيها شيئًا يستحق المشاهدة.
لم تكن تعلم أن المخطوط الذي بين يديها لم يكن مجرد سجل لأسطورة قديمة...
وأن الاسم المكتوب بين صفحاته يعود إلى كائن لم يكن ينبغي إيقاظه.