↗ الرئيسية

حين أحبني ملك الجن — إيمان جابر

الفصل الأول – سارة

امتدت أزقة القدس القديمة تحت ضوء النهار، تتسلل بينها نسمات تحمل رائحة الزيتون والحجارة العتيقة. سارت سارة بين المباني الحجرية، تتأمل الأقواس والنوافذ الخشبية والشرفات الصغيرة التي ازدحمت بأصص الزهور.

لم تكن هذه زيارتها الأولى للقدس؛ فقد زارتها مع والديها في طفولتها، وما زالت تحتفظ بذكريات جميلة عن تلك الرحلة. وبينما كانت تسير في أزقتها، أخذت تستعيد بعض الأماكن التي مرت بها آنذاك، وتتأمل ما تغير فيها على مر السنين.

استعانت بالخريطة في هاتفها للوصول إلى مكتبة ابنة عمها، لكنها لم تستطع مقاومة التوقف بين حين وآخر لالتقاط الصور.

وعند منعطف أحد الأزقة، ظهرت أمامها واجهة صغيرة يتوسطها باب أخضر مائل إلى الزرقة، تعلوه لوحة خشبية كُتب عليها:

"مكتبة باب الذكريات".

ابتسمت سارة. كان للاسم وقع لطيف، أما الزهور المتسلقة حول المدخل، فقد منحت المكان مظهرًا أقرب إلى مكتبة خرجت من إحدى الحكايات القديمة. لم يكن غريبًا أن تختار مادلين مكانًا كهذا لتحقيق حلمها.

رفعت كاميرتها والتقطت صورة للواجهة، ثم أعادتها إلى حقيبتها وتقدمت نحو الباب.

ما إن دخلت حتى رنّ الجرس المعلق فوقه.

كانت مادلين تقف على سلّم صغير، تحاول ترتيب بعض الكتب على رف مرتفع، لكنها ما إن التفتت نحو المدخل حتى أطلقت صرخة فرح.

"سارة!"

هبطت عن السلّم مسرعة، واندفعت نحو ابنة عمها لتعانقها.

"يا إلهي! لا أصدق أنك هنا أخيرًا!"

بادلتها سارة العناق وهي تضحك.

"مادلين! اشتقت إليك كثيرًا!"

كانت مادلين أقرب أفراد عائلتها إليها منذ وفاة والديها، ورغم السنوات التي فرّقتهما، لم تتغير الألفة بينهما.

ابتعدت مادلين قليلًا لتتأمل وجهها.

"دعيني أنظر إليك! لم تتغيري كثيرًا. كيف كانت رحلتك؟ ألم تقولي إنك ستذهبين إلى الفندق لترتاحي؟ هل تناولتِ شيئًا؟ أيمكنني أن أحضر لك شايًا؟"

ضحكت سارة ورفعت يديها مستسلمة.

"اهدئي قليلًا! أنا بخير. وصلت إلى الفندق وتركت أمتعتي، لكنني لم أستطع الانتظار حتى الغد لرؤيتك."

"كان بإمكانك الاتصال بي لأستقبلك!"

"وأفسد عليك المفاجأة؟ مستحيل!"

ابتسمت مادلين بسعادة، بينما راحت سارة تتأمل المكان من حولها.

"وبصراحة، كنت متشوقة لرؤية مكتبتك أيضًا. إنها أجمل مما تخيلت."

"حقًا؟ انتظري حتى أريك بقية المكان!"

أمسكت مادلين بيدها وقادتها بين الرفوف، بعدما تركت سارة حقيبتها على مقعد خشبي قرب المدخل.

"هذا قسمي المفضل!"

أشارت إلى زاوية خُصصت للقصص الخيالية والأساطير، تتدلى فوقها نجوم ورقية صغيرة، بينما زُينت الرفوف بمجسمات لتنانين وقلاع مصغرة.

"أضفت هذه الزينة بنفسي. أظن أن الأطفال سيحبونها."

تأملت سارة التفاصيل بإعجاب.

"ليس الأطفال وحدهم. أنا أحببتها أيضًا!"

ضحكت مادلين، ثم أشارت إلى الصناديق المكدسة عند نهاية الممر.

"ما زال أمامي الكثير من العمل. وصلتني شحنة كتب جديدة، ولم أجد وقتًا لترتيبها."

اقتربت سارة من أحد الصناديق وألقت نظرة على محتوياته.

"إذن، لماذا لا نبدأ؟"

التفتت إليها مادلين بدهشة.

"تريدين مساعدتي؟ سارة، لقد وصلتِ من السفر للتو! خذي قسطًا من الراحة على الأقل."

"تعرفين كم أحب الكتب. ترتيبها بالنسبة لي متعة، وليس عملًا."

ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجه مادلين.

"نعم، أعرف أنك دودة كتب لا علاج لها! لكنك جنيتِ على نفسك الآن. لدي عشرات الكتب التي تحتاج إلى ترتيب، ولست مهذبة بما يكفي لأرفض هذه المساعدة!"

انفجرت سارة ضاحكة، ثم ربطت وشاحها بإحكام واستعدت للعمل.

بدأتا بإخراج الكتب من الصناديق وتوزيعها على الرفوف، وسرعان ما امتلأ المكان بأحاديثهما وضحكاتهما.

"إذن، كيف تسير حياتك هنا؟" سألت سارة وهي ترتب مجموعة من الروايات.

"أحاول الوقوف على قدميّ. المكتبة تستهلك معظم وقتي ومدخراتي، لكنها أفضل قرار اتخذته منذ سنوات."

"أنا سعيدة من أجلك. لطالما حلمتِ بامتلاك مكتبة."

"وأخيرًا تحقق الحلم، وإن كان مصحوبًا بفواتير لا تنتهي!"

ضحكت سارة، ثم مدت يدها لتضع كتابًا على الرف العلوي، فانحسر كمّ قميصها قليلًا.

وقعت عينا مادلين على العلامة الداكنة قرب معصمها، فتوقفت لحظة قبل أن تشيح بنظرها.

لاحظت سارة ذلك، فأعادت كمّها إلى مكانه بسرعة.

كانت الوحمة الهلالية ترافقها منذ ولادتها، وقد اعتادت نظرات الفضول والأسئلة المحرجة التي تثيرها. حتى مادلين، التي عرفتها طوال حياتها، لم تستطع دائمًا إخفاء فضولها تجاه تلك العلامة الغريبة.

لكنها، لحسن الحظ، لم تعلق عليها.

واصلتا العمل، وانتقل حديثهما إلى ذكريات الطفولة والأيام التي قضتاها معًا، حتى مرّت الساعات دون أن تشعرا.

وحين انتهتا من ترتيب معظم الكتب، جلستا على الأرض بين الرفوف، تتأملان الصناديق الفارغة المتناثرة حولهما.

"لا أصدق أنني كنت أنوي إنهاء كل هذا بمفردي!" قالت مادلين وهي تمسح جبينها.

"كنتِ ستحتاجين إلى أسبوع كامل."

"على الأقل!" نظرت مادلين إلى ابنة عمها باستغراب. "ومع ذلك ما زلتِ تبتسمين. هل تستمتعين بإرهاق نفسك؟"

ضحكت سارة.

"كان ممتعًا. مضى وقت طويل منذ فعلنا شيئًا كهذا معًا."

نهضت مادلين مستندة إلى أحد الرفوف.

"حسنًا، أنا أتضور جوعًا. لدي بعض الفلافل في الخلف. هل تريدين شيئًا؟"

"بكل سرور. لكن دعيني أستجمع قواي أولًا."

اختفت مادلين خلف باب صغير يؤدي إلى الغرفة الخلفية، بينما بقيت سارة جالسة تستريح، قبل أن تلاحظ شيئًا معدنيًا يبرز من خلف مجموعة كتب قديمة على الرف السفلي.

مالت إلى الأمام وأزاحت الكتب قليلًا، فظهر صندوق صغير مغطى بالغبار، تتشابك على جوانبه نقوش دقيقة لم تستطع تمييزها من النظرة الأولى.

سحبته بحذر ووضعته على الأرض. بدا قديمًا للغاية، وذكّرها ببعض القطع الأثرية التي صادفتها خلال رحلاتها. أثار القفل المعدني الذي يُحكم إغلاق غطائه فضولها، فحملت الصندوق ونهضت.

"مادلين! منذ متى وأنتِ تخبئين الكنوز في مكتبتك؟"

ظهرت مادلين من الغرفة الخلفية تحمل صينية صغيرة.

"أي كنوز؟"

وضعت سارة الصندوق على الطاولة القريبة.

"هذا. من أين حصلتِ عليه؟"

اقتربت مادلين تتفحصه.

"لا أذكر أنني رأيته من قبل."

"كان خلف مجموعة من الكتب القديمة."

"ربما من التبرعات.. في بعض الأحيان تأتيني كتب وأشياء قديمة لا أحد يريدها.. . لا أعرف لماذا يتبرع أحد بصندوق كهذا." حاولت مادلين فتح القفل. " إنه عالق... لحظة."

عادت بعد دقائق تحمل مفكًا صغيرًا، وبعد عدة محاولات، انكسر جزء من القفل الصدئ وانفتح الغطاء أخيرًا.

وفي الداخل، وجدتا كتابًا قديمًا بغلاف جلدي.

"لهذا السبب." قالت مادلين. "مجرد كتاب قديم."

لكن حين لمست سارة الغلاف، مرّ تيار خفيف عبر أصابعها، كأنه لسعة غير مرئية. تراجعت بسرعة.

"ما بكِ؟" سألت مادلين.

"لا شيء... الكتاب بارد فقط."

لم تقتنع مادلين، لكنها لم تجادل.

فتحت مادلين الكتاب بلا مشكلة، بينما بقيت سارة متوترة.

"يا إلهي... هذا مخطوط يدوي."

بدأت تقلب صفحاته بحذر. كانت مليئة برسومات غريبة، ونصوص عربية ولاتينية، وصور لكائنات مشوهة رُسمت بتفاصيل مخيفة.

"أعتقد أنه كتاب سحر"، تمتمت سارة.

"ماذا؟"

"انظري إلى هذه الرموز والرسومات. ربما يكون مخطوطًا قديمًا عن الشعوذة أو المعتقدات الغامضة. أحتاج إلى فحصه لأعرف المزيد. ولكنني شبه متأكدة من أنه مخطوط نادر."

رفعت مادلين الكتاب ونظرت إلى ابنة عمها.

"تريدينه؟"

"هل أنتِ جادة؟"

"بالطبع. يبدو أنك مهتمة به أكثر مني."

ترددت سارة لحظة، ثم ابتسمت.

"حسنًا... ربما أستخدمه في أحد فيديوهاتي."

"إذن خذيه."

ورغم الشعور الغامض الذي راودها منذ لمست الغلاف، لم تستطع سارة مقاومة فضولها.

"شكرًا يا مادلين. هذا يعني لي الكثير."

"العفو." ابتسمت مادلين. "هيا، لنأخذ استراحة. ساعزمك على كوب من  القهوة"

***

كان المقهى الذي اختارته مادلين ملاصقًا لمكتبتها، دافئًا بطابعه القديم، بمقاعد غير متطابقة ووسائد مخملية وأرفف تزخر بالتحف. بدا وكأنه عالق في تسعينيات القرن الماضي.

جلست سارة مع ابنة عمها قرب النافذة المطلة على الزقاق، حيث امتدت الجدران الحجرية وقد بدأت ظلالها تستطيل مع اقتراب غروب الشمس.

"إذًا، ستبقين هنا شهرًا كاملًا؟" سألت مادلين وهي ترتشف قهوتها. "ألا تتعبين من كثرة السفر؟"

"أحيانًا، لكنني أحب عملي. سأبدأ التصوير غدًا صباحًا، ولدي قائمة طويلة بالأماكن التي أريد زيارتها."

"أنا متأكدة أنك ستحققين مشاهدات رائعة هنا. المدينة مليئة بالمواقع التاريخية التي يحب الناس التعرف إليها."

أخرجت سارة دفترها الصغير، وبدأتا بمراجعة برنامج الرحلة، تقترح مادلين بعض الأماكن، بينما تدوّن سارة ملاحظاتها.

وبعد قليل، قالت مادلين:

"بالمناسبة، ماذا عن سلسلة الحكايات القديمة التي تقدمينها على قناتك؟ لماذا لا تصورين حلقة جديدة خلال زيارتك؟"

"كنت أفكر في ذلك. المضحك أن تلك الحلقات تحقق مشاهدات أعلى من تقاريري عن المواقع الأثرية، رغم أنني أبذل جهدًا أكبر في إعداد الأخيرة."

"إذن، وجدت لك موضوعًا!" قالت مادلين بحماس. "المخطوط الذي عثرنا عليه اليوم. تخيلي لو استطعت معرفة قصته!"

ابتسمت سارة وهي تفكر في الاقتراح.

"قد تكون فكرة جيدة. أحتاج أولًا إلى دراسة النصوص وتحديد الحقبة التي كُتب فيها."

"ومن يدري؟ ربما يكون مرتبطًا بإحدى الحكايات القديمة عن ملوك الجن!"

ضحكت سارة وهزت رأسها.

"أنت تشاهدين الكثير من أفلام الرعب يا مادلين."

"وأنت لا تملّين من التنقيب في الماضي!"

لم تستطع سارة إنكار ذلك. فمنذ طفولتها، كانت شغوفة بالتاريخ والحكايات التي تناقلتها الأجيال، وتستمتع بمحاولة معرفة أصولها الحقيقية.

لكن اهتمامها بذلك المخطوط لم يكن نابعًا من فضولها المعتاد وحده.

تذكرت اللسعة التي شعرت بها حين لمست غلافه، ثم استحضرت في ذهنها إحدى الرسومات التي رأتها بين صفحاته.

كانت هناك علامة على شكل هلال، تشبه إلى حد كبير الوحمة التي تحملها على ذراعها منذ ولادتها.

تلاشت ابتسامتها تدريجيًا.

لم يعد الأمر مجرد مخطوط قديم يصلح لمادة مصورة على قناتها.

كان عليها أن تعرف لماذا يحمل مخطوط عمره قرون العلامة نفسها التي وُلدت بها.