حمل أزازيل الإنسية بين ذراعيه، وقد استرخى جسدها تمامًا، واستقر رأسها على صدره دون مقاومة. انحرفت عيناه نحو وجهها، وحين تسللت حرارة جسدها عبر سترته، شعر بشيء غريب لم يألفه، لكنه سرعان ما تجاهله.
لم يكن مستغربًا أن تفقد وعيها أثناء انتقالها من عالم البشر إلى العالم السفلي؛ فالعبور عبر البوابة يستنزف قدرًا هائلًا من الطاقة، وما بذلته في محاولاتها اليائسة للهرب منه لم يترك لها الكثير لتقاوم به. ومع ذلك، لم يستطع منع ابتسامة من الارتسام على شفتيه وهو يتذكر مطاردتهما الصغيرة، في الوقت الذي أخذ فيه الظلام المحيط بهما ينحسر تدريجيًا، كاشفًا عن مملكته.
لم يتذكر آخر مرة شعر فيها بمثل هذا الإحساس. صحيح أنه كان يعرف نتيجة اللعبة منذ البداية، لكن سماع نبضات قلبها المتسارعة وهي تحاول الهروب منه كان شعورًا مبهجًا بشكل لا يوصف. وعلى عكس بقية البشر الذين قابلهم، لم تستسلم حتى اللحظة الأخيرة، بل قاومته حتى وهو يحملها نحو البوابة، وهو أمر فاجأه كما فاجأه كل ما يتعلق بها.
حتى محاولتها قتاله بتلك المكنسة ما زالت تثير تسليته... وقد استمتع بذلك.
لم يكن أزازيل يحب البشر، ولم يكن يملك صبرًا لتحمّل طلباتهم السخيفة وتضرعهم له... بل كان يقتل معظمهم بمجرد أن يستدعوه.
أما هذه الإنسية، فقد كان هناك شيء فيها أثار فضوله بما يكفي ليُبقيها على قيد الحياة. ربما كان السبب تلك العلامة الغريبة على ذراعها، الهلال الذي أعاد إلى ذاكرته زمنًا بعيدًا، حين كان الملك آصف لا يزال على قيد الحياة، ويمتلك سلطة على الجن لم يجرؤ بشر سواه على امتلاكها. أيمكن أن تكون من سلالته؟ هل يجري دمه في عروقها؟
نعم، لا بد أن العلامة هي السر، وإلا فكيف يفسر أنه لم يقتلها فور استدعائها له؟
وصل إلى قصره، وعبر أبوابه المظلمة حاملًا إياها. رفع الحراس الشياطين رؤوسهم عند دخوله، وسرعان ما تحولت نظراتهم إلى المرأة المستكينة بين ذراعيه. لم يكن مشهد ملكهم يحمل إنسية إلى داخل القصر أمرًا مألوفًا، لكن نظرة تحذيرية واحدة منه كانت كافية ليخفضوا أبصارهم ويتراجعوا عن طريقه.
واصل سيره عبر الممرات الرخامية حتى بلغ إحدى الغرف، فدفع بابها بقدمه ودخل. تحركت قليلًا بين ذراعيه، وأطلقت أنينًا خافتًا، لكنها لم تستيقظ. اقترب من السرير ووضعها فوقه برفق غير معهود منه، ثم بقي واقفًا يتأملها قبل أن يسند إحدى يديه إلى حافته وينحني قليلًا.
كانت جميلة.
لم يتخيل يومًا أن يجد نفسه يصف بشرية بهذه الكلمة، فضلًا عن أن يقف مأخوذًا بمظهرها. انسدل شعرها البني اللامع فوق الوسائد الداكنة، تتخلله انعكاسات دافئة من الضوء أبرزت خصلاته الحريرية، بينما استقرت أهدابها الطويلة على وجنتيها، وارتفع صدرها وانخفض مع أنفاسها المنتظمة.
وجد نفسه يتأمل تفاصيل وجهها، من بشرتها الناعمة إلى شفتيها اللتين افترقتا قليلًا أثناء نومها. وللمرة الأولى منذ زمن لا يستطيع تذكره، شعر بانجذاب نحو مخلوقة بشرية، انجذاب أثار فيه من الاشمئزاز بقدر ما أثار من الفضول.
كان الأمر مهينًا.
هو، أزازيل، ملك العالم السفلي، الذي طالما احتقر الإنس وعدّهم مخلوقات وضيعة لا تستحق اهتمامه، يقف الآن أمام إحداهن عاجزًا عن تفسير افتتانه بها!
قطّب حاجبيه بضيق، وتمتم من بين أسنانه:
"تبا لهذه الإنسية... وتبا لما جلبها إليّ."
وقعت عيناه مجددًا على الهلال المرسوم على ذراعها، فأعاده ذلك إلى السبب الحقيقي الذي جاء بها من أجله. استقام مبتعدًا عن السرير، وقد بدأ غضبه من نفسه يتصاعد. من تكون هذه الفتاة؟ وكيف انتهت علامة آصف إلى جسدها؟ والأهم من ذلك، هل تعرف شيئًا عن أصلها، أم أنها مجرد حمقاء أخرى عبثت بقوى لا تفهمها؟
لم يكن ينوي ترك تلك الأسئلة دون إجابة، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا للاعتراف بأن فضوله تجاهها تجاوز العلامة منذ وقت طويل.
"لا يهم من تكون..." تمتم ببرود، وعيناه معلقتان بوجهها. "ستكون آخر إنسية تتجرأ على استدعائي. هؤلاء البشر لا يتعلمون أبدًا... يستدعون ما يعجزون عن السيطرة عليه، ثم يتوسلون الرحمة حين يدركون فداحة ما ارتكبوه."
لوى شفتيه بازدراء، محاولًا استعادة احتقاره المعتاد لجنسها. لم تكن سوى بشرية ضعيفة، وقعت بين يديه بمحض حماقتها، وأصبح مصيرها الآن رهن مشيئته. يستطيع قتلها متى شاء، أو الاحتفاظ بها حتى يحصل على الإجابات التي يريدها. فلماذا، إذن، بدا احتمال التخلص منها أقل إرضاءً مما ينبغي؟
خفض بصره إلى يديه، ثم تأمل هيئته البشرية التي اتخذها أثناء مطاردتها. كان يستطيع التخلي عن هذا المظهر في لحظة، والعودة إلى صورته الشيطانية الحقيقية، بتلك الهيئة التي ترتعد أمامها أقوى مخلوقات العالم السفلي. ومع ذلك، لم يفعل.
أكان يريد تجنيبها الفزع حين تستيقظ؟ أم أنه يفضّل أن تعتاد وجوده قبل أن تواجه حقيقة العالم الذي أحضرها إليه؟
اشتدت ملامحه استنكارًا لهذه الفكرة.
ومنذ متى يهتم بمشاعر إنسية؟ بل منذ متى يحتاج إلى تبرير أفعاله أمام نفسه؟
انبعث هدير خافت من صدره، واشتدت قبضته حتى برزت مفاصل أصابعه. كان أكثر ما يثير حنقه أنه لم يجد تفسيرًا مقنعًا لما يحدث له. لم يكن الافتتان بالجمال أمرًا غريبًا عليه، لكن أن يجد نفسه مأخوذًا بإنسية من جنس طالما احتقره، فذلك ما لم يستطع تقبّله.
ومع هذا، حين عادت عيناه إليها، لم يستطع منع نفسه من تأملها مرة أخرى. قبل دقائق فقط، كان يفكر في تمزيقها إربًا جزاءً على وقاحتها، وها هو الآن يقف عند سريرها عاجزًا عن صرف نظره عنها، بل ويجد نفسه يتساءل كيف ستبدو عيناها حين تفتحهما وتكتشف أين أصبحت.
تذكّر نظراتها الغاضبة، ولسانها السليط، والطريقة التي رفعت بها المكنسة في وجهه وكأنها تستطيع حقًا إلحاق الأذى به. يا لها من مخلوقة سخيفة! ومع ذلك، لم تكن تشبه أولئك البشر الذين اعتاد رؤيتهم جاثين عند قدميه، يتوسلون إليه أن يمنحهم شيئًا من قوته.
ربما كان هذا ما أثار اهتمامه بها. وربما كان الهلال على ذراعها يحمل سرًا أعظم مما يتصور. في كلتا الحالتين، كان لديه ما يكفي من الأسباب للاحتفاظ بها، ولم يكن مضطرًا إلى التفكير في أي سبب آخر.
أطلق زفرة طويلة، ثم ابتعد عن السرير واتجه نحو النافذة في الطرف الآخر من الغرفة. سحب مقعدًا قريبًا وجلس عليه، مستندًا إلى ظهره، وعيناه لا تفارقان الإنسية النائمة. سيعرف حقيقتها عاجلًا أم آجلًا، وحين تستيقظ، سيكون أمامه متسع من الوقت لانتزاع الإجابات منها، سواء أرادت التعاون أم لا. أما انجذابه المزعج إليها، فسيجد وسيلة للتخلص منه.
لم يكن هناك ما يدعو إلى العجلة، فقد أصبحت الآن في العالم السفلي، داخل قصره، بعيدة عن عالمها وكل ما تعرفه، ولن تستطيع مغادرته إلا إذا سمح لها بذلك.
لقد أصبحت تحت رحمته تمامًا، وكان ينوي الاستمتاع بكل لحظة من ذلك.